السيد محمد تقي المدرسي
125
من هدى القرآن
والله أعلم . وإنما نحن مع هذه الآية التي تصور لنا حالة صعبة كانت تعيشها مريم عليه السلام بحيث إن المخاض يجبرها على أن تلتجئ إلى جذع النخلة ، فحينما جاءها المخاض ، لم تجد داراً أو بيتاً تلتجئ إليه ، وإنما وجدت شيئاً واحداً وهو جذع نخلة . قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا فتاة عذراء ، تركت الدنيا ولم تر مسؤوليات الحياة ، - سواء كانت مسؤوليات البيت أو مسؤوليات المجتمع - لأنها كانت متعبدة ، ومتحررة من علاقات الدنيا ، ويأتيها المخاض ، وهذه أول تجربة لها في الحياة ، فلم تعرف كيف تتصرف تجاهها ، كما أنها كانت وحيدة في الصحراء ، ولم تجد من يمد لها يد العون ! آنئذ شعرت بمشقة بالغة وكرب عظيم فقالت : وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً والإنسان يريد الحياة وما فيها من علاقات ليشاع له الذكر الطيب بين الناس ولذلك يتحمل الإنسان كل الصعوبات ، فهو يخوض الحرب مثلًا ، ويعرض نفسه للموت من أجل أن يقال : إن فلاناً بطل شجاع ، ولكن مريم تناست حتى هذه الرغبة في ذاتها ، وتمنت لو أنها كانت نسياً منسياً . والنسي المنسي ، هو الذي نسي ونسي أنه قد نسي ، فصار وكأنه لم يكن أبداً ، فقد ينسى الإنسان شيئاً ، ولكنه يتذكر أنه قد نسي شيئاً ، فيفكر حتى يتذكر ، أما أن تنسى وتنسى أنك قد نسيت ، فهذا هو النسي المنسي ، وكأنَّ مريم عليها السلام تمنت لو نسيت ولم يبق لها أي أثر يذكر . الخلف الطيب [ 24 ] فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا اختلف المفسرون فيمن ناداها ؟ ! هل كان جبرائيل باعتبار أن مريم كانت واقفة على ربوة وجبرائيل كان واقفاً تحت الربوة ، لذلك كان هو المنادي ، أو كان عيسى ، وأتصور أن المنادي هو عيسى الوليد الجديد ، وهذا ينسجم مع سياق الحديث القرآني ، بينما جبرائيل لم يكن اسمه مذكوراً في سياق هذه الآيات . أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً يبدو أن مريم حينما حملت فكرت في ما بعد الحمل . . ماذا سيحدث ؟ ماذا سيقول عنها الناس ؟ وحينما وضعت تركّزت هذه الفكرة في ذهنها فاحتارت ماذا تفعل ؟ وإلى أين تذهب ؟ لذلك فإنَّ أول كلمة قالها عيسى لها هي : ألا تحزني - أي لا تحملي هموم المستقبل - وهكذا يجب أن تكون المرأة بالنسبة إلى مسؤوليات الحياة الزوجية ، فبعض النساء يقلقن من شؤون الحياة ، ويفكرن كثيراً في مستقبل الطفل ، وهذه الأفكار غير صحيحة ، لأنَّ الذي خلق هذا الطفل ، وقدر للمرأة أن تكون أمّاً سوف يعينها عليه . علينا أن نعيش لحظتنا ، بالرغم من ضرورة التخطيط للمستقبل ، إلا أن التخطيط عمل